السيّدة خديجة (سلام الله عليها).. كيف تحوّلت «سيّدة قريش» إلى «أمّ المؤمنين»

وكالة الحوزة - بمناسبة 10 ربيع الأوّل، ذكرى زواج الرسول الأكرم (صلی الله علیه وآله) والسيّدة خديجة (سلام الله عليها)، نقدّم لكم مقالاً كتبته الكاتبة نورا عرفاني، تستحضر فيه سيرة هذه المرأة الاستثنائية التي كانت أوّل الداعمين للإسلام، وأكبر سند مالي ومعنوي للنبيّ في أحرج لحظات الدعوة وأصعبها.

نص المقال: إنّ الحديث عن طلوع الإسلام يبقى ناقصًا من دون ذكر اسم السيّدة خديجة (سلام الله عليها)، فهي من مؤسِّسي هذا الدين العظيم. لم تكن خديجة (س) مجرّد زوجة للنبيّ الأكرم (ص) أو أوّل امرأة أسلمت، بل كانت أوّل حامية للإسلام، وأكبر سندٍ مالي له، وملجأً عاطفيًّا للنبيّ (ص) ورفيقةً ومؤازرةً لرسول الله. لذا، كما أكّد قائد الثورة الإسلامية، الإمام الخامنئي، فإنّ عظمة شخصيّتها عبر التاريخ «مغفولٌ عنها» و«غريبة» (9/5/2016).حين نزل الوحي الإلهي على النبيّ الأكرم (ص)، كانت السيّدة خديجة (س) هي التي تخلّت عن ثروتها الكبيرة، ومكانتها الفريدة، وراحتها الشخصيّة، لتكون أوّل نصيرٍ وأوفى سندٍ لرسول الله (ص). لقد كان بإمكانها أن تبقى في مكّة كجوهرة لامعة في مجتمعها، لكنّها اختارت أن تتحوّل إلى ركنٍ أساسي في حضارة جديدة. والطريق الذي سلكته من «سيّدة قريش» إلى «أمّ المؤمنين»، لم يُمَهَّد بالحرير والذهب، بل بالجوع والتضحية وبإيمانٍ مشرقٍ لا يخبو.

الاستقامة في وجه الجاهلية

وُلدت السيّدة خديجة (س) في مجتمعٍ سمّاه القرآن «الجاهلية»؛ زمنٍ كانت تُوأَد فيه البنات أحياءً، وتُحرَم النساء من الميراث، وتُعامَل الزوجة كسلعة بخسة. لكنّ خديجة (س) تحدّت هذه التقاليد، فوسّعت أعمالها التجارية، وجابت قوافلها أرجاء شبه الجزيرة العربية، وقيل إنّ قوافلها كانت تعادل قوافل قريش مجتمعة. هذا النجاح منحها لقب «سيّدة قريش»، وأكثر من ذلك، بسبب عفّتها واستقامتها اشتهرت بـ«الطاهرة». وفي بيئة التجارة، حيث كان الربح هو المعيار الأوّل والأخلاق شبه غائبة والرشوة أمرًا معتادًا، عُرفت السيّدة خديجة (س) بالإنصاف والصدق والأمانة. قبل بزوغ الإسلام، كانت السيّدة خديجة (س) تصون حقوقًا أقرّها الإسلام لاحقًا وجعلها رسميّة: حقّ المرأة في التملّك، والتجارة، والإدارة المستقلّة مع الحفاظ على الكرامة. كانت ثريّة، لكنّ ثروتها لم تأسرها؛ بل تحوّلت إلى وسيلة لخدمتها وإحسانها. كما أن استقلالها ونجاحها حطّما المعتقد السائد حول ضعف المرأة وتبعيتها، ورَسما نموذجًا جديدًا للمرأة المسلمة: امرأة فاعلة في المجتمع، وفي الوقت نفسه عفيفة ورفيعة المقام.

أوّل من آمن؛ يقين وُلد من الطهارة والبصيرة

إنّ قصّة نزول الوحي الأوّل هي حكاية لقاء الإنسان بالسماء. فعندما عاد النبيّ الأكرم (ص)، ذلك التاجر الصادق المشهور بـ«الأمين»، من خلواته الطويلة في غار حراء بعد نزول الآيات الأولى، كان يرتجف حزنًا وقلقًا. عندها تحوّل قلب السيّدة خديجة (س) إلى أوّل ملجأ لرسول الله (ص). لم تكتفِ بدور المواسية باعتبارها زوجة، ولم تُنكر تجربة النبيّ وتصفها بالحلم أو الوهم، بل أصغت وصدّقت. لقد كان إيمانها قرارًا واعيًا؛ إذ إنّ خمسة عشر عامًا من الحياة المشتركة مع النبيّ (ص) كانت كافية لتوقن أنّ الرجل الذي لم يجرِ الكذب يومًا على لسانه، لن يكذب على الله أبدًا. يقول الإمام الخامنئي: «إنّها بفطرتها الطاهرة أدركت على الفور صدق القضيّة وحقّانيّتها... فانجذب قلبها المبارك وآمنت، ثمّ ثبتت على هذا الإيمان» (9/5/2016). هذا اليقين وذاك السند منحا النبيّ الأكرم (ص) قوّةً لمواصلة رسالته، في اللحظة التي كان فيها الجميع يصطفّون في مواجهته.

إنفاق المال وبذل النفس «قبل الفتح»

عادةً ما يُقال إنّ السيّدة خديجة (س) «أنفقت ثروتها في سبيل الإسلام»، غير أنّ هذه العبارة لا تكشف عن عمق تضحيتها؛ فالقرآن الكريم يقول: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} (الحديد، 10). وكانت السيّدة خديجة (س) أوضح مصداق لهذه الآية؛ إذ إنّها لم تُضحِّ عندما ارتفعت راية الإسلام وأصبح له أنصار، بل قدّمت كلّ ما تملك من مال ونفس في الوقت الذي كان فيه المسلمون قلّة، يتعرّضون للسخرية والاضطهاد. لقد وهبت كلّ ثروتها في سبيل دين الله، يوم لم يكن أحد يجرؤ أن يجهر بإيمانه. بلغت هذه التضحية ذروتها في سنوات الحصار الثلاث في شعب أبي طالب؛ تلك الفترة التي أرخى فيها الجوع بظلاله الثقيلة على كلّ عائلات المسلمين. عندها قدّمت السيّدة خديجة (س) آخر ما تملكه من مال لإطعام المسلمين، ورضيت لنفسها الجوع حتى لم يبقَ لها سوى الإيمان. لقد ضحّت بالثروة، وبالراحة، وختمت حياتها في سبيل الرسالة. وقد شبّه الإمام الخامنئي هذا الإيثار بعطاءات «الإمام الحسن المجتبى (ع) الذي كان يتصدّق بنصف ماله أو بكلّه مرارًا. يُعَدّ هذا المستوى من الإيثار من أعظم الفضائل الإسلامية» (9/5/2016).

أمّ أهل البيت (ع)

تُعرَف السيّدة خديجة (س) بأنّها والدة السيّدة فاطمة الزهراء (س)، وجدّة الأحد عشر إمامًا. ويذكّر الإمام الخامنئي بأنّ «بيت خديجة (س) كان مهدًا لأهل البيت (ع). فقد ربّت لسنوات الإمام علي (ع) كأحد أبنائها، وصارت أمًّا للسيّدة التي انحدر من نسلها سائر الأئمّة. وبهذا المعنى، لم تكن السيّدة خديجة (س) أمّ أحد عشر إمامًا فحسب، بل كانت الأمّ المعنويّة لجميع الأئمّة الاثني عشر» (9/5/2016). وبتهيئتها أجواء المجالسة بين النبيّ الأكرم (ص) وأمير المؤمنين (ع) في طفولته، ساهمت في ترسيخ الصلة الوثيقة بين النبوّة والإمامة. فتحوّل بيتها إلى ملاذٍ روحيّ ومنبعٍ للمعرفة الإلهيّة. ومكانة بيت خديجة (س) والنبيّ (ص) لم تكن عالية عند الشيعة فقط، بل هي رفعة مشهودة تتجاوز حدود المذهب. كتبَ العلّامة الكبير من أهل السنّة، ابن حجر العسقلاني، في شرحه وتفسيره للآية القرآنية الشريفة: «مرجع أهل بيت النبي (ص) إليها، لما ثبت في تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (الأحزاب، 33)... لأن الحسنين من فاطمة وفاطمة بنتها، وعلي نشأ في بيت خديجة وهو صغير ثم تزوج بنتها بعدها، فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها».

زواج مفعم بالمودّة والاحترام

يقول الله في كتابه الحكيم: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم، 21). كانت الحياة المشتركة للنبيّ الأكرم (ص) والسيّدة خديجة (س) تجسيدًا حيًّا لهذه الآية المباركة؛ فقد كانت ملجأ السكينة والحنان. كما أن هذا الزواج حمل منذ بدايته طابعًا فريدًا، إذ تحدّى الأعراف الاجتماعية السائدة آنذاك في الجزيرة العربية. فهذه خديجة (س)، المرأة الوجيهة الثرية والتاجرة البارزة، هي التي بادرت وعرضت الزواج على النبيّ (ص) بعدما أدركت سموّ خُلقه ونقاء سيرته. أعجبت السيّدة خديجة (س) بفضائل النبيّ الأكرم (ص)، فأفضت بسرّ قلبها إلى صديقتها نفيسة، وجعلتها وسيطةً بينها وبينه. ولمّا أبدى النبيّ (ص) قلقه من فقره وضيق حاله، حملت نفيسة رسالتها إليه بأنّ خديجة امرأة لا ينقصها المال، وقادرة على إعالة نفسها. لقد مثّل هذا الموقف انقلابًا على الأعراف السائدة آنذاك؛ إذ إنّ امرأةً موسرة هي التي تقدّمت بالزواج من رجل أقلّ مالًا. فكان أساس العلاقة بينهما مبنيًّا على الإعجاب المتبادل، لا على التوقّعات الاجتماعية. وطوال خمسة وعشرين عامًا من الحياة المشتركة، امتدّت حتّى وفاة السيّدة خديجة (س)، لم يتزوّج النبيّ (ص) بامرأة أخرى. لقد كان ذلك العصر مرحلةً مليئة بالحبّ العميق، والطمأنينة، والمآزرة، التي غدت ركيزةً لسنوات الرسالة الصعبة التي تلت. قال النبيّ الأكرم (ص): «آمنت بي إذ كذّبني الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد ولم يرزقني من غيرها». لقد شكّلت المودّة والاحترام بينهما أسوة خالدةً لكلّ الأزواج؛ ارتباطًا مؤسَّسًا على الإيمان والتضحية. كانت السيّدة خديجة (س) حصن رسول الله (ص) في وجه الإعصار، ولم ينسَ النبيّ (ص) ذكراها أبدًا.

قدوة خالدة للنساء والرجال

حطّمت سيرة السيّدة خديجة (س) كلّ الأنماط الباطلة بشأن المرأة؛ فقد جمعت بين العفّة والقوّة، والغنى والتواضع، وكانت زوجةً وأمًّا وفي الوقت نفسه سيّدةً مؤثّرة في المجتمع. لقد أثبتت أنّ العزّة الحقيقيّة تكمن في الإيمان، والخدمة، والإخلاص. يؤكّد الإمام الخامنئي أنّ عظمة السيّدة خديجة (س) كثيرًا ما طُمست عبر التاريخ، في حين أنّها تمثّل قدوةً تتجاوز حدود الزمان؛ فهي ردّ عملي على صورتين باطلتين عن المرأة: صورة الجاهلية القديمة التي رأت في المرأة عبئًا ووأدت البنات، وصورة الجاهلية الحديثة التي حوّلت المرأة إلى سلعة وأداة استهلاكية. غير أن السيدة خديجة (س) تمثّل «الطريق الثالث»: الطهارة والاستقلال المرتكزين على الإيمان والخدمة. ولهذا السبب عُدّت في مصافّ أربع نساء هنّ الأعظم في التاريخ: السيّدة مريم (س)، والسيدة آسية (س)، والسيّدة فاطمة الزهراء (س). وقد قال النبيّ (ص) إنّ الله بشّر السيدة خديجة (س) بقصر في الجنّة «لا صخب فيه ولا نصب». إنّ إرثها لم يكن مجرّد دعم صامت، بل حضورًا فعّالًا وصانعًا للقرار في تأسيس الإسلام. لقد وضعت عقلها، ونفوذها، وثروتها العظيمة في خدمة الرسالة الإلهية، وكانت هذه التضحية صوتًا بليغًا، واختيارًا أنقذ الإسلام الناشئ من الانهيار، وأسّس لعالم جديد.

المصدر: قناة المکتب الإعلامی لقائد الثورة الشهید على تليغرام

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha